آخر الأخبار
جارٍ تحميل آخر الأخبار…

الحجاب لا يطفئ الشهوة: الوجه الآخر للمرأة المحجبة

رئيس.التحرير

الحجاب لا يطفئ الشهوة: الوجه الآخر للمرأة المحجبة

هناك صورة شائعة للمرأة المحجبة تجعلها تبدو، في نظر البعض، وكأنها كائن منزّه عن الرغبة: لا تنجذب، لا تشتهي، لا تفكر في الحب والجسد، ولا تعيش الصراع الداخلي الذي تعيشه بقية النساء. وهذه الصورة، في الحقيقة، لا علاقة لها بالإنسان كما هو، بل بصورة مثالية صنعها المجتمع حول المرأة المتدينة.

الحقيقة الأكثر بساطة والأكثر جرأة هي أن الحجاب لا يلغي الجسد.

المرأة المحجبة امرأة لها قلب وجسد وهرمونات ومشاعر وخيال واحتياجات عاطفية وجنسية. قد تخفي شعرها، لكنها لا تستطيع أن تخفي طبيعتها البشرية. وقد تختار الاحتشام في لباسها، لكنها لا تتحول بذلك إلى إنسانة بلا رغبات.

بل إن المفارقة تكمن أحياناً في أن المرأة التي تبدو شديدة التحفظ أمام الآخرين قد تكون داخل حياتها الخاصة مختلفة تماماً. فالإنسان لا يعيش شخصيته كاملة أمام المجتمع؛ هناك مساحة عامة يفرض فيها قواعده وحدوده، ومساحة خاصة يستطيع فيها أن يكون أكثر صدقاً مع نفسه ومع شريكه.

بين الحجاب والرغبة

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الحجاب دليل على ضعف الرغبة الجنسية. لا توجد علاقة علمية بسيطة تسمح باستنتاج مقدار الشهوة من نوع الملابس التي ترتديها المرأة.

الرغبة الجنسية ظاهرة إنسانية معقدة. تتداخل فيها العاطفة، والهرمونات، والثقة بالنفس، والحب، والإحساس بالأمان، والتجارب السابقة، وطبيعة العلاقة بين الزوجين.

ولهذا يمكن أن تكون امرأة محجبة شديدة العاطفة والرغبة، ويمكن أن تكون امرأة غير محجبة قليلة الرغبة. اللباس ليس مقياساً للشهوة.

لماذا يخجل المجتمع من الاعتراف بذلك؟

لأن المجتمع كثيراً ما يضع المرأة في قالبين متناقضين: امرأة "محترمة" يجب أن تكون بعيدة عن الحديث عن رغباتها، وامرأة أخرى يُسمح لها اجتماعياً بأن تكون أكثر تعبيراً عن أنوثتها.

لكن هذا التقسيم يتجاهل حقيقة أساسية: المرأة في الحالتين هي الإنسان نفسه، بما يحمله من مشاعر ورغبات وصراعات.

المشكلة ليست في وجود الرغبة، وإنما في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إليها.

فحين يتحدث الرجل عن رغبته قد يُنظر إلى الأمر باعتباره أمراً طبيعياً، بينما إذا تحدثت المرأة عن رغبتها قد تتعرض فوراً للحكم الأخلاقي. وهذا يجعل كثيراً من النساء يتعلمن منذ الصغر أن الصمت هو الطريق الوحيد المقبول للتعامل مع أجسادهن ومشاعرهن.

المرأة المحجبة ليست امرأة بلا خيال

من أكثر الأفكار الساذجة الاعتقاد أن الحجاب يمنع الخيال العاطفي أو الجنسي.

المرأة قد تقع في الحب، وقد تنجذب إلى رجل، وقد تشتاق إلى زوجها، وقد تتخيل حياة عاطفية حميمة معه، وقد تشعر بالغيرة والاشتياق والانجذاب. كل هذه المشاعر لا تختفي بمجرد ارتداء الحجاب.

الفرق الحقيقي هو أن المرأة قد تختار ألا تعرض هذه الجوانب أمام الآخرين.

وهنا يجب التمييز بين الخصوصية والكبت. فليس كل ما لا يُقال مكبوتاً، وليس كل ما يُخفى مرضياً. قد تكون المرأة ببساطة قد اختارت أن تجعل حياتها العاطفية والجسدية شأناً خاصاً بينها وبين شريكها.

داخل الزواج تظهر الحقيقة بوضوح أكبر

ربما تكون الحياة الزوجية المجال الذي تتضح فيه هذه المسألة أكثر.

فالزوجة المحجبة التي تظهر أمام المجتمع بملابس محتشمة وشخصية هادئة ليست مطالبة بأن تكون بالبرود نفسه داخل علاقتها الزوجية. فالزواج يقوم على المودة والقرب والثقة والتواصل، ومن الطبيعي أن تكون للزوجة رغبات واحتياجات وأن تعبر عنها بطريقة تتفق مع قيمها وحدودها.

والزوج الذي يتعامل مع زوجته على أنها "محجبة، إذن لا تحتاج إلى الحميمية أو لا تهتم بها" قد يرتكب خطأً كبيراً في فهم شخصية زوجته.

الاحتشام أمام المجتمع شيء، والعلاقة الخاصة بين الزوجين شيء آخر.

الجرأة الحقيقية ليست في كشف الجسد

الجرأة الحقيقية ليست أن تكشف المرأة جسدها، وليست أن تتحدث عن تفاصيل حياتها الخاصة أمام الآخرين.

الجرأة الحقيقية هي أن تعترف المرأة بأن لديها مشاعر ورغبات، وأن تفهم جسدها، وأن تعرف حدودها، وأن تستطيع التواصل مع زوجها أو شريكها بطريقة ناضجة ومحترمة.

كما أن احترام المرأة لا ينبغي أن يكون مشروطاً بإنكار طبيعتها الإنسانية.

فالمرأة ليست أقل تديناً لأنها تشعر بالرغبة، وليست أقل احتراماً لأنها تحب زوجها وتحتاج إلى قربه. الأخلاق تتعلق بكيفية تعامل الإنسان مع رغباته، وليس بمجرد وجود الرغبة.

الخلاصة

الحجاب قد يكون اختياراً دينياً أو ثقافياً أو شخصياً، لكنه ليس جداراً يفصل المرأة عن جسدها.

تحت الحجاب توجد امرأة كاملة: تفكر، وتحلم، وتحب، وتشتاق، وتغضب، وتغار، وتنجذب، وتحتاج إلى الحنان والقرب.

والاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من الحجاب ولا من التدين؛ بل يحرر النقاش من صورة مثالية غير واقعية عن المرأة.

فالمرأة المحجبة لا تفقد أنوثتها عندما تغطي شعرها، ولا تفقد رغبتها عندما تختار الاحتشام. إنها فقط تختار، مثل أي إنسان، أين وكيف ومع من تكشف جوانبها الخاصة



.
 

تعليقات