في زاوية هادئة من الحي القديم، حيث تتلاصق الشرفات وتكاد
النوافذ تبوح بأسرار أصحابها، كانت تعيش الشابة اليافعة بقلوطي. لم تكن بقلوطي كبقية فتيات الحي؛ كان في عينيها بريق غامض يشتعل كلما أطلت من نافذة غرفتها المطلة على الشرفة المقابلة. هناك، في تلك الشرفة المجاورة، كان يسكن جارها، رجل في الأربعينيات من عمره، يمتلك وقارًا غامضًا وجاذبية هادئة أسرَت قلبها الغض منذ النظرة الأولى.
كانت تفصل بينهما أمتار قليلة، لكنها كانت تبدو أحيانًا كمسافات بين مجرتين. التواصل بينهما كان غاية في الصعوبة، ليس فقط بسبب تقارب البيوت الذي يجعل كل جدار أذنًا تسمع، بل لأن ذلك الحبيب الأربعيني كان رجلًا متزوجًا، له حياته المستقرة وعائلته التي تملأ البيت حركة وضجيجًا.
عاشت بقلوطي في صراع دائم يمزق قلبها الصغير. كانت أيامها تمر بين نارين: نار لهفة الشوق العارم التي تدفعها لانتظار إطلالته، ونار الخوف والتردد التي تكبل خطواتها. في كل مساء، عندما يحل الهدوء على الحي، وتقترب خطواته من الشرفة ليدخن سيجارته الأخيرة، كان ينبض قلبها بقوة كاد يسمعها الجيران. تتوق للحديث معه، لتبادل كلمة واحدة تشفي غليل عاطفتها، أو لإيماءة تفهم منها أنه يشعر بوجودها.
لكن الخوف كان دائمًا حارسها اللعين. الخوف من افتضاح الأمر، الخوف من نظرات المجتمع، وفوق كل شيء، الخوف من أن تكون سببًا في هدم استقرار بيته، أو أن تفقد صورتها النقية أمام عائلتها وأمام الحي الذي لا يرحم. كانت تتراجع في كل مرة خلف ستارتها، تراقبه بصمت وتكتفي بتأمل ملامحه الرجولية الهادئة تحت ضوء القمر.
كان هو الآخر يشعر بنظراتها. في ملامحه الأربعينية كان يرتسم إعجاب صامت وصراع لا يقل عن صراعها. كان ينظر نحو نافذتها بنظرات دافئة تحمل الكثير من العتب على القدر، والكثير من الإعجاب ببرائتها ولهفتها، لكن وقاره ووضعه الاجتماعي كانا يمنعانه من تجاوز حدود الصمت. أصبح هذا التواصل الخفي، المبني على النظرات الخاطفة والتنهيدات المكتومة، هو لغتهما الخاصة التي لا يفهمها أحد غيرهما.
بين الشوق الذي يدفعها للامام، والخوف الذي يشدها للوراء، بقيت قصة بقلوطي وجارها الأربعيني كأغنية جميلة لم تكتمل أبياتها، حب عذري معلق بين شرفتين، يقتات على الأمل الممنوع، ويعيش في حيز الصمت الدافئ خوفًا من برد الواقع.
تعليقات
إرسال تعليق